أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

489

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

والثالث : أنها موصولة أيضا ومحلّها الرفع بالابتداء ، والخبر قوله : « فكلوا ، وإنما دخلت الفاء تشبيها للموصول باسم الشرط . وقوله : مِنَ الْجَوارِحِ في محلّ نصب على الحال وفي صاحبها وجهان : أحدهما : أنه الموصول وهو « ما » . والثاني : أنه الهاء العائدة على الموصول ، وهو في المعنى كالأول . والجوارح : جمع « جارحة » ، والهاء للمبالغة سمّيت بذلك لأنها تجرح الصيد غالبا أو لأنها تكسب ، والجرح : الكسب ومنه : يَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ « 1 » . والجارحة : صفة جارية مجرى الأسماء لأنها لم يذكر موصوفها غالبا . وقرأ عبد اللّه بن عباس وابن الحنفية : « عَلَّمْتُمْ » مبنيا للمفعول ، وتخريجها أن يكون ثمّ مضاف محذوف أي : وما علّمكم اللّه من أمر الجوارح . مُكَلِّبِينَ حال من فاعل « عَلَّمْتُمْ » ، ومعنى « مُكَلِّبِينَ » مؤدبين ومضرين ومعوّدين . قال الشيخ « 2 » : « وفائدة هذه الحال - وإن كانت مؤكدة لقوله : « عَلَّمْتُمْ » ، فكان يستغنى عنها - أن يكون المعلم ماهرا بالتعليم حاذقا فيه موصوفا به » . انتهى ، وفي جعله هذه الحال مؤكدة نظر ، بل هي مؤسسة . واشتقّت هذه الحال من لفظ « الكلب » هذا الحيوان المعروف وإن كانت الجوارح يندرج فيها غيره حتى سباع الطيور تغليبا له ، لأنّ الصيد أكثر ما يكون به عند العرب . أو اشتقت من « الكلب » وهو الضراوة ، « 3 » يقال : هو كلب بكذا أي : حريص ، وبه كلب أي : حرص ، وكأنه أيضا مشتق من الكلب هذا الحيوان لحرصه ، أو اشتقت من الكلب ، والكلب يطلق على السّبع أيضا ، ومنه الحديث : « اللهم سلّط عليه كلبا من كلابك » فأكله الأسد . قال الشيخ « 4 » : وهذا الاشتقاق لا يصحّ لأنّ كون الأسد كلبا هو وصف فيه ، والتكليب من صفة المعلّم ، والجوارح هي سباع بنفسها وكلاب بنفسها لا بجعل المعلّم » ولا طائل تحت هذا الرد . وقرىء « 5 » « مكلبين » بتخفيف اللام ، وفعّل وأفعل قد يشتركان في معنى واحد ، إلا أن « كلّب » بالتشديد معناه علّمها وضرّاها ، و « أكلب » معناه صار ذا كلاب ، على أن الزّجاج قال : رجل مكلّب - يعني بالتشديد - ومكلب يعني من أكلب ، وكلّاب يعني بتضعيف اللام أي : صاحب كلاب » . وجاءت جملة الجواب هنا فعلية وجملة السؤال اسمية وهي : ما ذا أحل ؟ فهي جواب لها من حيث المعنى لا من حيث اللفظ ؛ إذ لم يتطابقا في الجنس . قوله : تُعَلِّمُونَهُنَّ فيه أربعة أوجه : أحدها : أنها جملة مستأنفة . الثاني : أنها جملة في محلّ نصب على أنها حال ثانية من فاعل « عَلَّمْتُمْ » . ومنع أبو البقاء ذلك لأنه لا يجيز للعامل أن يعمل في حالين ، وتقدّم الكلام في ذلك . الثالث : أنها حال من الضمير المستتر في « مُكَلِّبِينَ » فتكون حالا من حال وتسمى المتداخلة ، وعلى كلا

--> ( 1 ) سورة الأنعام ، الآية ( 60 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 429 ) . ( 3 ) انظر اللسان ( ضرو ) . ( 4 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 429 ) . ( 5 ) انظر البحر ( 3 / 429 ) .